فصل: ابن وصيف الصابئ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عيون الأنباء في طبقات الأطباء (نسخة منقحة)



.ابن وصيف الصابئ:

كان طبيبًا عالمًا بعلاج أمراض العين، ولم يكن في زمانه أعلم منه في ذلك، ولا أكثر مزاولة، قال سليمان بن حسان، حدثني أحمد بن يونس الحراني، قال حضرت بين يدي أحمد بن وصيف الصابئ وقد أحضر سبعة أنفس لقدح أعينهن، وفي جملتهم رجل من أهل خراسان أقعده بين يديه ونظر إلى عينيه، فرأى ماء متهيأ للقدح، فسامه على ذلك، فطلب إليه فيه، واتفق معه على ثمانين درهماً، وحلف أنه لا يملك غيرها، فلما حلف الرجل اطمأن وضمه إلى نفسه، ورفع يده على عضده فوجد بها نطاقًا صغيرًا فيه دنانير فقال له ابن وصيف ما هذا؟ فتلون الخراساني، فقال ابن وصيف حلفت باللّه حانثًا وأنت ترجو رجوع بصرك إليك؟ واللّه لا عالجتك إذ خادعت ربك فطلب إليه فيه فأبى أن يقدحه وصرف إليه الثمانين درهمًا ولم يقدح عينه.

.غالب طبيب المعتضد:

شهر بخدمة المعتضد باللّه وكان أولًا عند الموفق طلحة بن المتوكل لأنه خدمه منذ أيام المتوكل واختص به، وارتضع سائر أبناء المتوكل من لبن أولاد غالب فكان يسر بهم، فلما تمكن الموفق من الأمر أقطعه ونوله وأغناه، وكان له مثل الوالد ينادمه ويغلفه بيده، وعالج الموفق من سهم كان أصابه في ثندوته وبرأ، فأعطاه مالًا كثيراً، وأقطعه، وخلع عليه، وقال لغلمانه من أراد إكرامي فليكرمه، وليصل غالباً، فوجه إليه مسرور بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب؛ ووجه إليه سائر الغلمان مثل ذلك؛ وصار إليه مال عظيم، ولما قبض على صاعد وعبدون أخذ لعبدون عدة غلمان نصارى مماليك، فمن أسلم منهم أجري له رزق وترك، ومن لم يسلم منهم بعثه إلى غالب، وكان عدد من أنفذ إليه سبعين غلامًا أزمة وغيرها، فلما ورد عليه معهم رسول من قبل الحاجب قال غالب أي شيء أعمل بهؤلاء؟ وركب من وقته إلى الموفق، فقال هؤلاء يستغرقون مال ضيعتي مع رزقي فضحك الموفق وتقدم إلى إسماعيل زيادة في إقطاعه الحرسيات، وكانت ضياعًا جليلة تغل سبعة آلاف دينار وأجرها له بخمسين آلاف درهم في السنة.
وبعد الموفق طلحة خدم لولده المعتضد بالله أبي عباس أحمد، وكان مكينا عنده حظيًّا في أيامه، وكان المعتضد يحسن الظن به ويعتمد على مداواته، قال ثابت بن سنان ابن ثابت إن غالبا الطبيب توفي مع المعتضد بالله بآمد، وكان كبيرًا عنده، وكان سعيد ابن غالب مع المعتضد بالله بآمد، وكان يأنس اليه ويقدمه على جميع المتطببين، واتصل الخبر بوفاة غالب بالمعتضد قبل وقوف سعيد ابنه على ذلك، فلما دخل سعيد عليه ابتدأه المعتضد وعزاه وقال له يا سعيد طول البقاء لك، لما تم عليك، فانصرف سعيد الى مضربه كئيبًا حزيناً، فأتبعه المعتضد بخفيف السمرقندي، وبنان الرصاصي، وبسرخاب الكسوة، وكانوا أجل خدم السلطان، وجلسوا معه طويلاً، وعرف الخبر فلم يبق أحد من أهل الدولة إلا صار إلى سعيد بن غالب، وعزاه بأبيه، من الوزير القاسم بن عبيد الله ومؤنس الخادم ومن بعدهما من الأستاذين والأمراء والقواد والأولياء على طبقاتهم، ثم أنفذ اليه المعتضد وقت الظهر بجون طعام وتقدم إليه أن لا يبرح أو يطعمه ويطعم دانيل كاتب مؤنس وسعدون كاتب يانس، وكانا صهريه على أختيه، ففعل ذلك، ولم يزل يحضره في كل يوم ويشاغله بالحديث ويصرفه ويتبعه بجون الطعام مدة سبعة أيام، ورد إليه ما كان إلى أبيه من أمر الجراية والتلامذة، وأقر في يده إقطاعاته وضياعه، ولم يزل ذلك له ولولده إلى آخر عمره.

.أبو عثمان سعيد بن غالب:

كان طبيبًا عارفًا حسن المداواة مشهورًا في صناعة الطب، خدم المعتضد باللّه وحظي عنده وكان كثير الإحسان إليه، والإنعام عليه، وتوفي أبو عثمان سعيد بن غالب في يوم الأحد لست بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وثلثمائة ببغداد.

.عبدوس:

كان طبيبًا مشهورًا ببغداد، حسن المعالجة، جيد التدبير، ويعرف كثيرًا من الأدوية المركبة، وله تجارب حميدة، وتصرفات بليغة في صناعة الطب، قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه حكي عن داؤد بن ديلم، وعن عبدوس المتطببين، قال لما غلظت علة المعتضد، وكان من استسقاء وفساد مزاج من علل يتنقل منها، وخاف على نفسه أحضرنا وجميع الأطباء فقال لنا أليس تقولون إن العلة إذا عُرفت عرف دواؤها؟ فإذا أعطي العليل ذلك الدواء صلح؟ قلنا له بلى، قال فعلتي عرفتموها ودواءها، أم لم تعرفوها؟ قلنا قد عرفناها، قال فما بالكم تعالجوني ولست أصلح؟ وظننا أنه قد عزم على الإيقاع بنا فسقطت قوانا فقال له عبدوس يا أمير المؤمنين نحن على ما قلنا في هذا الباب، إلا أن في الأمر شيئاً، وهو أنا لا نعرف مقدار أجزاء العلة فنقابلها من الدواء بمثل أجزائها، وإنما نعمل في هذا على الحدس، ونبتدئ بالأقرب فالأقرب، ونحن ننظر في هذا الباب ونقابل العلة بما ينجع فيها إن شاء اللّه تعالى.
قال فأمسك عنا وخلونا فتشاورنا على أن نرميه بالعابة وهي التنور، فأحميناه له ورميناه فيه، فعرق وخف ما كان به لدخول العلة إلى باطن جسمه، ثم ارتقت إلى قلبه، فمات بعد أيام، وخلصنا مما كنا أشرفنا عليه، وكانت وفاة المعتضد ليلة الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين.
ولعبدوس من الكتب كتاب التذكرة في الطب.

.صاعد بن بشر بن عبدوس:

ويكنى أبا منصور، كان في أول أمره فاصدًا في البيمارستان ببغداد، ثم إنه بعد ذلك اشتغل في صناعة الطب وتميز حتى صار من الأكابر من أهلها، والمتعينين من أربابها، نقلت من خط المختار بن حسن بن بطلان في مقالته في علة نقل الأطباء المهرة تدبير أكثر الأمراض التي كانت تعالج قديمًا بالأدوية الحارة إلى التدبير المبرد؛ كالفالج واللقوة والاسترخاء وغيرها ومخالفتهم في ذلك لمسطور القدماء؛ قال إن أول من فطن لهذه الطريق ونبه عليها ببغداد وأخذ المرضى في المداواة بها وأطرح ماسواها الشيخ أبو منصور صاعد بن بشر الطبيب رحمه اللّه، فإنه أخذ المرضى بالفصد والتبريد والترطيب، ومنع المرضى من الغذاء فأنجح تدبيره وتقدم في الزمان بعد أن كان فاصدًا في البيمارستان، وانتهت الرياسة إليه فعول الملوك في تدبيرهم عليه، فرفع عن البيمارستان المعاجين الحارة والأدوية الحادة، ونقل تدبير المرضى إلى ماء الشعير ومياه البزور، فأظهر في المداواة عجائب.
من ذلك ما حكاه لي بميافارقين الرئيس أبو يحيى ولد الوزير أبي القاسم المغربي، قال عرض للوزير بالأنبار قولنج صعب أقام لأجله في الحمام؛ واحتقن عدة حقن، وشرب عدة شربات فلم ير صلاحاً، فأنفذنا رسولًا إلى صاعد، فلما جاء ورآه على تلك الحال ولسانه قد قصر من العطش وشرب الماء الحار والسكر، وجسمه يتوقد من ملازمة الحمام ومداواة المعاجين الحارة والحقن الحادة، استدعى كوز ماء مثلوج فأعطاه الوزير فتوقف عن شربه، ثم إنه جمع بين الشهوة وترك المخالفة وشربه فقويت في الحال نفسه ثم استدعى فاصدًا ففصده وأخرج له دمًا كثير المقدار، وسقاه ماء البذور ولعابًا وسكنجبيناً، ونقله من حجرة الحمام إلى الخيش، وقال إن الوزير أدام اللّه عافيته سينام من بعد الفصد؛ ويعرق وينتبه؛ فيقوم عدة مجالس، وقد تفضل اللّه بعافيته، ثم تقدم بصرف الخدم لينام، فقام الوزير إلى مرقده وقد وجد خفًا من بعد الفصد فنام مقدار خمس ساعات، وانتبه يصيح بالفراش، فقال صاعد للفراش إذا قام من الصيحة فقل له يعاود النوم، حتى لا ينقط العرق، فلما خرج الفراش من عنده قال وجدت ثيابه كأنها قد صبغت بماء الزعفران، وقد قام مجلسًا ونام، ثم لا زال الوزير يتردد دفعات إلى آخر النهار مجالس عدة، ومن بعدها غذاه بمزوّرة وسقاه ثلاثة أيام ماء الشعير، فبرأ برأ تاماً، فكان الوزير أبدًا يقول طوبى لمن سكن بغداد دارًا شاطئه وكان طبيبه أبو منصور، وكاتبه أبو علي بن موصلايا، فبلغه اللّه أمانيه فيما طلب.
ونقلت أيضًا من خط ابن بطلان إن صاعد الطبيب عالج الأجل المرتضى رضي اللّه عنه من لسب عقرب، بأن ضمد المكان بكافور فسكن عنه الألم في الحال.
ونقلت من خط أبي سعيد الحسن بن أحمد بن علي في كتاب ورطة الأجلاء من هفوة الأطباء قال كان الوزير علي بن بلبل ببغداد، وكان له ابن أخت فلحقته سكتة دموية، وخفي حاله على جميع الأطباء ببغداد، وكان بينهم صاعد بن بشر حاضراً، فسكت حتى أقر جميع الأطباء بموته، ووقع اليأس من حياته، وتقدم الوزير في تجهيزه، واجتمع الخلق في العزاء، والنساء في اللطم والنياح، ولم يبرح صاعد بن بشر من مجلس الوزير فعند ذلك قال الوزير لصاعد بن بشر الطبيب هل لك حاجة؟ فقال له نعم يا مولانا، إن رسمت وأمرت لي ذكرت ذلك، فقال له تقدم وقل ما يلج في صدرك؟ فقال صاعد هذه سكتة دموية، ولا مضرة في إرسال مبضع واحد وننظر، فإن نجح كان المراد، وإن تكن الأخرى فلا مضرة فيه، ففرح الوزير وتقدم بإبعاد النساء وأحضر ما وجب من التمريخ والنطول والبخور والنشوق، واستعمل ما يجب، ثم شد عضد المريض وأقعد حضن بعض الحاضرين، وأرسل المبضع بعد التعليق على الواجب من حاله، فخرج الدم ووقعت البشائر في الدار، ولم يزل يخرج الدم حتى تمم ثلثمائة درهم من الدم، فانفتحت العين ولم ينطق بعد، فشد اليد الأخرى ونشقه ما وجب تنشيقه، ثم فصده ثانيًا وأخرج مثلها من الدم وأكثر، فتكلم، ثم أسقي وأطعم ما وجب، فبرئ من ذلك، وصح جسمه وركب في الرابع إلى الجامع، ومنه إلى ديوان الخليفة، ودعا له ونثر عليه من الدراهم والدنانير الكثيرة، وحصل لصاعد بن بشر الطبيب مال عظيم، وحشمه الخليفة والوزير وقدمه وزكاه؛ وتقدم على جميع من كان في زمانه.
أقول ووجدت صاعد بن بشر قد ذكر في مقالته في مرض المراقيا ما عاينه في ذلك الزمان من أهوال وجدها، ومخاوف شاهدها، ما هذا نصه، قال وأنه عرض لنا من تضايق الزمان علينا، والتشاغل بالتماس الأمر الضروري، ولما قد شملنا من الخوف والحذر والفزع، واختلاف السلاطين؛ وما قد بلينا به، مع ذلك، من التنقل في المواضع؛ وضياع كتبنا وسرقتها، ولما قد أظلنا من الأمور المذعرة المخوفة التي لا نرجو في كشفها إلا الله تقدس اسمه.
هذا ما ذكره وما كان في أيامه إلا اختلاف ملوك الإسلام بعضهم مع بعض، وكان الناس سالمين في أنفسهم، آمنين من القتل والسبي، فكيف لو شاهد ما شاهدناه ونظر ما نظرناه في زماننا من التتار الذين أهلكوا العباد، وأخربوا البلاد، وكونهم إذا أتوا إلى مدينة فما لهم همٌّ إلا قتل جميع من فيها من الرجال، وسبي الأولاد والنساء، ونهب الأموال، وتخريب القلاع والمدن، لكان استصغر ما ذكره، واستقل ما عاينه وحقره، ولكن ما طامة إلا فوقها طامة أعظم منها؛ ولا حادثة إلا وغيرها تكبر عنها؛ وللّه الحمد على السلامة والعافية.
ولصاعد بن بشر من الكتب مقالة في مرض المراقيا ومداواته ألفها لبعض إخوانه.

.ديلم:

كان من الأطباء المذكورين ببغداد المتقدمين في صناعة الطب، وكان يتردد إلى الحسن بن مخل وزير المعتمد ويخدمه، ووجدت في بعض التواريخ أن المعتمد على اللّه وهو أحمد بن المتوكل أراد أن يفتصد، فقال للحسن بن مخلد اكتب لي جميع من في خدمتنا من الأطباء حتى أتقدم بأن تصل كل واحد منهم على قدره، فكتب الأسماء وأدخل فيها اسم ديلم المتطبب، وكان ديلم يخدم الحسن بن مخلد، فوقع تحت الأسماء بالصلات، فقال ديلم إني لجالس في منزلي حتى وافى رسول بيت المال ومعه كيس فيه ألف دينار، فسلمه إليّ وانصرف فلم أدر ما السبب فيه، فبادرت بالركوب إلى الحسن بن مخلد، وهو حينئذ الوزير، فعرفته ذلك، فقال لي افتصد أمير المؤمنين، وأمرني بأن أكتب أسماء الأطباء ليتقدم بصلاتهم، فأدخلت اسمك معهم، فخرج لك ألف دينار.